حوارات وملفات

55عام فدائية بملابس الرجال- الاستثمار نيوز

مريم أبودقة أول طفلة مبعدة في غزة

الاستثمار نيوز

حوار: هدى منصور

رغم تجاوزها العقد السابع من العمر، وبروز تجاعيد النضال والشقاء على وجهها الحاد الذي يشبه ملامح الرجال بصرامته، إلا أن الفدائية الفلسطينية الشهيرة الدكتورة (مريم أبو دقة) عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وأول طفلة مبعدة من قطاع غزة عام 1970،تقف وسط التظاهرات الغاضبة مرتديه ملابس الرجال والشال الفلسطيني كما تعودت على مدار أكثر من 55 عام من عمرها نضال لن يتوقف حتى الموت على حسب قولها.

اليوم تنطفض بحرارة من أجل غزة التي تشهد إبادة جماعية من قِبل الاحتلال الصهيوني وحرب غير عادلة بين الأطراف دون قاضي ليحكم بالعدل بين الطرفين ليعلن وقوف الحرب التي أخذت في طريقها الأطفال الأبرياء في الصفوف الأولى قبل الرجال والشباب والنساء وكبار السن والعجزة والمعاقين، ومن بينهم 66 فرد من عائلتها.

كان لنا لقاء بـ (مريم أبودقة)، لتتحدث عن سنوات النضال وحرارة الشوق لنيل الحرية من الاحتلال وطرده إلى الخارج، فهي أمرأة ضحت بملامحها الأنثوية، وشعرها الطويل والعزوف عن الكعب العالي لترتدي حذاء الرجال الثقيل رغم قصر قامتها لتكون (فدائية) لعبت دور حقيقي للصمود.

تقول (مريم أبو دقة) وهي تجلس في منزلها الحالي بالقاهرة في ساعات الصباح الباكر أثناء الحوار، كل ما أحلم به أن أرى نور الحرية في وطني فلسطين مثل ما أرى نور هذا الصباح المشرق، ذاكرتي حاضرة لرحلتي جيداً وقصتي التي أراها أشبعت نفسي فلم أقصر في حق وطني ولكن لازال النفس في فلابد أن أكمل مشواري وأناضل من أجله.
خاطبة رؤساء العرب بقلمي في طفولتي منهم الرئيس الراحل جمال عبدالناصر الذي كان يرد على خطابي بخطاب ليؤكد أهمية قضيتي.
أنا من أبناء بلدة عبسان جنوب قطاع غزة، اعتقلني الاحتلال مرتين في طفولتي، درست المرحلة الابتدائية في غزة، ثم الثانوية العامة في اليمن والبكالوريوس والدكتوراة في بلغاريا، مثلت معاناة المرأة الفلسطينية أمام المجتمع الغربي ووضع الأسيرات داخل سجون الاحتلال وأساليب التعذيب اتجاههن فكنت واحدة منهن.

421883988 915715813301395 5121552295155374397 n

تابعت مريم في حزن شديد دون بكاء فهي ترفض البكاء على حد وصفها لشخصيتها: غزة أكبر حقل إبادة للإنسانية مأساوي في العالم، يجمع بين جدرانه الصماء جميع أنواع الأمراض المزمنة مابين سرطان وأمراض قلب وغسيل كلى، ولم يفكر أهلها في يوم من الأيام التخلي عن ذرة واحدة من ترابها ورفض التهجير، فنحن شعب عظيم يلقن العالم قيمة الوطنية والعزة في حرب غزة الحالية.

أنا فلسطينية حرة ولدت في يوليو 1953أمي مصرية ووالدي فلسطيني،
انتمي إلى منطقة حدودية في غزة، منذ طفولتي اسمع عن الفدائين وقصص الدفاع عن تراب الوطن فكان الفدائين بعد نهاية مهمتهم يمرون على منزلنا نشاهدهم ونرى شجاعتهم.
أشقائي 8 معظمهم فتيات إلا أنني كنت مختلفة كفتاة عن أشقائي، كنت صاحبة رأي وقلم رشيق في الكتابة، وشاهدت مجازر في طفولتي في قطاع غزة قام بها الاحتلال دون رحمة، علمتني كيف أن اتحرر للدفاع عن الوطن، ومع أول محاولة للإنضمام للفدائيين عن طريق ابن خالتي وافقت على الفور.

وفي حالة من الدهشة اتذكر ذكرياتي جيداً لم تغفل عن بالي أي لحظة عشتها في تكويني كفدائية ، فوالدتي هي من تدربت على التعامل مع القنابل واستعمالها وعلمتني بيدها كيف أكون فدائية بدون معرفة أي أحد من أسرتي وطلبت مني ترديد قسم العهد بعدم خيانة فريق الفدائين أو خيانة الوطن، فكانت أمي هي من تحاسبني فكيف لا اتعلم بكل وفاء منها، فكانت سيدة ذكية للغاية.

كنت طفلة واتلثم في طفولتي وسط 20 رجل واخرج في منتصف الليل لأجمع التبرعات للعمليات الفدائية وشراء السلاح ودعم اسر الشهداء والأسرى، وكنت أذهب إلى منزل والدي مع زملائي ملثمة ولا يعرف أنه أنا،

قلمي كان رشيق للغاية وكتاباتي مميزة يملئها الشعر وخطي مميز ومعروف فقد علم الاحتلال هويتي من كتاباتي لهم بالعديد من المنشورات التي أوجه لهم فيها تهديدات مباشرة، وكنت طفلة صغيرة، لاحقوني وتم القبض عليا، وكنت على عهدي مع أمي أن لا أكون خائنة، وكان أول تحقيق معي في حياتي وأنا طفلة، وكان ردي على كل سؤال به في غاية الذكاء فقد سألني الضابط الصهيوني، قال لي كم عملية قمت بها؟ قلت له، لم أدخل مستشفى طيلة عمري وصحتي ممتازة، وأنا أعلم ماذا يقصد، سألني عن مسؤول المجموعة، كم عملية أجراها؟ قلت له صحته ممتازة.

ثم عرض القنابل والألغام، وسألني ما هذا؟ قلت له إني مصرية والدتي لا تتركني ألعب بالقمامة، أعطاني منشور وقال لي اقرأي، قرأته، وسألني ماذا فهمت منه؟ قلت له أنا علمي ولست أدبي، ضربني على وجهي، وتذكرت كلمة أمي أنني لو اعترفت فأنا خائنة والشعب سيقتلني، ضربوني كثيراً ثم وضعوني في الزنزانة بجوار عشرات النساء الأسيرات.
ومن هنا شاهدت حياة الأسيرات الحقيقة على أرض الواقع وكان الأمر لا يراه ولا يسمع عنه إلا من دخل وشاهد، فهي حياة غير آدمية، مدة الحمام المسموح بها نصف دقيقة فقط، والغطاء لثلاث فتيات بطانية واحدة، والاستيقاظ الساعة 5:00 والنوم الساعة 10:00 مساء، وممنوع التحدث إلى الآخريات، الخبز به صراصير، والطعام به ذباب، وأساليب التعذيب تتغير كل فترة فجميعها حديثة، نعمل لمدة 8 ساعات، بالإضافة إلى عمل الأسيرات في ذلك الوقت بالشغل في التريكو، 4 ساعات صباحً، مع 4 ساعات مساءً.
وكان أول حكم رسمي عليا في حياتي بالحبس عام ونصف،وتم توجيه لي 5 اتهامات، منها جمع التبرعات للأسرى وأنني اشكل خطرًا على الأمن الاسرائيلي.

420190636 1426757814546426 6372970958009599448 n

قضيت في السجن عام ونصف بكل ما فيها، والسجن له رواية أخرى، كل المعتقلات كانوا تقريباً من عمر14 أو 15 عام، أو في عمر 80 عام منهم من يكون زوج ابنتها فدائي، ومن مر أمام بيتها فدائي، ومن يريدون الضغط على ابنها او أخوها يأتون بها، لكي يقوم بتسليم نفسه، وقد كان ذلك عمل فدائي حقيقي في ذلك الوقت وقد عشنا فترة نضال كبيرة في السجن.

بعد خروجي من السجن منذ اليوم الأول وأنا أشعر أنني أودع غزة، وجدت أقاربي من العائلة منتظرين على مدخل القرية، يقولون لي إن المخابرات في انتظارك في منزلكم، فقد اتخذوا قرارًا بإبعادي وطردي من غزة وهنا حملت أول لقب أول فتاة مستبعدة من غزة.

عندما نجيت بعد معاناة الطرد من الوطن ودخولي إلى الأردن بصعوبة مهربة بشكل سري لم أطلب شئ أو الراحة لم يشغل بالي سوى التسليح وجمع التبرعات والتدريب، وأصبحوا يقولون عني أن مريم جسمها مضاد للرصاص، وكانوا يطلقون على الفتيات الفدائيات في ذلك الوقت كتيبة الجيش الفيتنامي وأنا المرأة الفيتنامية، ومع نشوب الحرب الأهلية في الأردن أو حرب أيلول الأسود تم استبعادي من الأردن، إلى لبنان.
وتعد لبنان محطة جديدة في حياتي كنت أقوم بتدريب زهرات واشبال في الأردن وفتيات أيضًا، وهو ملف كبير لن ينتهي اليوم من الحديث عنه، من جمال وحلاوة الروايات بهذا الملف، كونت كتيبة جديدة في لبنان للفتيات ترتدي الزي العسكري منهم وليلى خالد وأمينة دحدور، من الطبيعي أن نحمل سلاح، ولكن لم يكن من الطبيعي بالنسبة للناس فقد كان هذا الأمر مثل صندوق العجائب يأتون اليوم الأول يشاهدوننا، وفي اليوم الثاني يأتون لنا بالشاي، وفي اليوم الثالث يأتون ببناتهم نقوم بتدريبهم.
كنا نخرج ونعمل بنظافة الشوارع لكي نعلم الناس أننا بالليل فدائيين وفي النهار نساعد الناس، فهم يشاهدوننا في بدايه الامر ثم يرسلون إلينا فتياتهم يساعدوننا بعد ذلك يقولون لنا اذهبوا إلى مواقعكم.

علمنا المواطنين في لبنان بشكل غير مباشر، في النضال ليس حمل السلاح فقط، ولكنه حماية الناس من الكوليرا والأمراض، لذلك كانوا يعبرون لنا عن ذلك بتقديم القهوة الشاي، او يأتون لنا بالورد في المواقع.
وبالتدريج أصبحت الفتيات يتسابقن في العمل الفدائي وبعد ذلك تطورت القصة، أصبحت فصيل عسكري في القوات المشتركة، والجبهة الشعبية، والمحاور الرسمية.

توجهاتي إلى العلم ظلت موجودة وفي ذهني طوال رحلتي، كنت أحلم بدراسة الصيدلة إلا أن عملي كفدائية غير مسار أحلامي وقمت بدراسة الفلسفة، وكان جميع الأساتذة يحاولون جذبي منهم أستاذ الاقتصاد لكن دراسة الفلسفة فهي أم العلوم، وأنا عقليتي فلسفية أكثر وتوجهي، ولدي خبرة وأنا الوحيدة من الطلبة بعد 30 عامًا خبرة ادرس منهج تجربتي، فالناس تدرس أولًا ثم تطبق، أنا بالعكس عندي التطبيق وأدرس في إطار أكاديمي في جامعة صوفيا ببلغاريا.

توقفت (مريم أبودقة) عن الحديث قليلاً ووضعت يدها أعلى رأسها الذي لا يحمل الكثير من الشعر فقصته رجالي ولونه أسود ثم قالت، الحب لا يوجد في حياتي الآن ولا غدًا، فلا يوجد سوى حب الوطن، فقد تزوجت القضية الفلسطينية، مخلصة لها،وبالنسبة إلى الوعي لدى ومكانتي لم يكن ينفع معي الزواج، لأن عقلية الرجل الشرقي يرفض أن تكون زوجته فدائية ومن يريد العمل الوطني لابد له أن يختار، لا يوجد ما يعيقه وهذا صعب، فلابد من التركيز في عمل واحد، بالنسبة إلي فأنا مقتنعة أن كل أولاد فلسطين أولادي، وحريتي أهم شيء في الوجود، وقد مررت بتجارب ولكني فشلت في أن أجلس في منزلي كزوجة فقط دون الدفاع عن وطني.

421548772 1565903100854301 8802136564719141820 nبعد أن أنهيت دراستك في بلغاريا توجهت إلى سوريا، وكنت سبب لفتح الطريق لدخول الفدائيات إلى سوريا ففي السابق كان ممنوع دخول الفدائيات، ، ثم ليبيا والعراق ، وعشت حياتي كلها مطاردة.
ملامحي الرجولية اخترتها بنفسي وأحبها فهذه ملامح الفدائية، فالعقلية العربية دائمًا تصف الرجل بالقوة، وفي بداياتنا كنا نظهر بمظهر الرجال، وعندما كان ينادوننا بـ رفيقة، كنا نقول له قل يا رفيق على أساس أنني رجل، أو أبو علي، تخليت عن شعري الطويل وفساتين النساء المغرية بالجمال والكعب العالي لإظهر الأنوثة وفضلت أن أكون فدائية في الصفوف الأولى للدفاع عن الوطن في وجه الاحتلال .

وأريد أن أصف المرأة الفلسطينية المناضلة بأن الانسان وليد ظروفه، والمرأة الفلسطينية قوية تودع ابنها الشهيد بالزغاريد، لأنها تقول ابني غالي جدًا، ولكن الوطن أغلى، أما الآن الإسرائيليين لديهم نغمة وهي قتل الأطفال الصغار، لا يحبون قتل الكبار، بل يقتلون الصغار.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى